مقالات الرأى

إبراهيم الصياد يكتب: الوقائع والمصالح: أزمة المؤرخ أم أزمة التاريخ؟

مقالات للرأي

 

ليس التاريخ سجلًا بريئًا لوقائع حدثت في الزمن الماضي ولا مجرد ذاكرة محايدة له ، بل هو في كثير من الأحيان ساحة تنازع بين الحقيقة والمصلحة، وبين ما جرى فعلاً وما يراد له أن يُروى و بين الوثيقة والتأويل، وبين الحدث وسرديته، و تتشكل صورة الماضي التي تصل إلينا، محمّلة أحيانًا بأوزان السياسة أوزارها والأيديولوجيا والهوية واعتباراتها .

ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي التالي هل نقرأ التاريخ كما وقع، أم كما كُتب؟ وهل ما نعتبرها «حقائق تاريخية» هي انعكاس للوقائع أم نتاجٌ لميزان القوى والمصالح السائدة في زمن تدوين. الأحداث ؟

إن البحث في هذه الإشكالية لا يستهدف التشكيك في التاريخ، بقدر ما يسعى إلى تحريره من التوظيف، وفهمه بوصفه علمًا تفسيريًا يتطلب الحذر النقدي بقدر ما يتطلب الإيمان بقيمة الوقائع !

في النقاشات العامة حول التاريخ، يختلط على كثيرين التمييز بين التوثيق التاريخي ووجهات النظر تجاه وقائع الماضي، كما يختلط ذلك أحيانًا بتفسير التاريخ ذاته إن المؤرخ لا يُطلب منه مجرد تسجيل الأحداث كما وقعت، بل تقديم تفسير علمي لها يضيء أسبابها ونتائجها، حتى لا يتحول التاريخ إلى سرد مبهم أو قائمة جامدة من الوقائع ومن هنا يبرز السؤال الجوهري ما هو التاريخ؟

في أبسط تعريفاته، التاريخ هو دراسة الماضي البشري اعتمادًا على الأدلة والآثار التي خلّفها الإنسان. غير أن هذا التعريف، رغم بساطته، ينطوي على تعقيد عميق، لأن التاريخ يمكن النظر إليه من زاويتين متكاملتين :

🔸الأولى هي التاريخ بوصفه أحداثًا، أي الواقع الموضوعي الذي يتمثل في التسلسل الزمني لما وقع فعليًا. فمعركة ذات الصواري عام 655م، وسقوط غرناطة عام 1492م، والثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، كلها أحداث حقيقية تشكل الهيكل العام للتاريخ، بصرف النظر عن تحليل أسبابها أو نتائجها.

🔸أما الزاوية الثانية، فهي النظر إلى التاريخ بوصفه سردًا أو رواية، أي تفسيرًا لهذه الأحداث. وهنا يتجلى جوهر عمل المؤرخ، لأن التاريخ ليس مجرد تعداد للوقائع، بل محاولة لفهمها وتفسيرها وهذه المهمة تقتضي قدرًا عاليًا من الحياد، إذ إن تسرب الميول العاطفية أو الأيديولوجية إلى السرد التاريخي يضعف قيمته العلمية ولذلك ثبت أن أكثر المؤرخين إخفاقًا في كتابة التاريخ هم أولئك الذين ينطلقون من مواقف فكرية مسبقة أو التزامات أيديولوجية صارمة.

إن المؤرخ المحترف، أو كما يقال بالعامية «صنايعي»، يمتلك أدواته المنهجية؛ عندما يجمع الأدلة من مصادر متعددة مثل الوثائق، والرسائل، والآثار، والشهادات الشفوية، ثم يخضعها للفحص والتحليل للتحقق من صدقيتها وبعد ذلك يبني رواية تاريخية متماسكة تفسر لماذا وكيف وقعت الأحداث، وما الأسباب التي قادت إليها، والنتائج التي ترتبت عليها؟

على سبيل المثال الثورة الفرنسية، حقيقة تاريخية ثابتة، لكن تفسير أسبابها ـ كأفكار التنوير، والأزمات الاقتصادية، وسوء إدارة النظام الملكي ـ ونتائجها، مثل صعود النزعة الوطنية وانتشار الأفكار الجمهورية والحروب النابليونية، يظل مجالًا مفتوحًا للنقاش والتعديل في ضوء قراءات جديدة أو أدلة إضافية.

وقد أسهم مفكرو التنوير، مثل فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو ، في بلورة مبادئ الحرية والإخاء والمساواة التي شكلت أحد أطر هذا التفسير.

غير أن التفسير التاريخي قد ينزلق أحيانًا إلى التعبير عن موقف مؤيد أو رافض للحدث ذاته، وهنا تكمن الخطورة لذلك يصبح من الضروري أن يتعامل القارئ مع السرد التاريخي بعين نقدية، وألا يتلقى الرواية على علاتها دون تمحيص.

وتبرز أهمية دراسة التاريخ في كونها مفتاحًا لفهم عالمنا المعاصر ولا يمكن استيعاب الحدود السياسية، أو الأنظمة الحاكمة، أو الصراعات والتحالفات الدولية، دون معرفة المسار التاريخي الذي تشكلت من خلاله.

إن الحاضر هو ابن الماضي، ومن هنا صدقت مقولة الفيلسوف جورج سانتايانا: «أولئك الذين لا يستطيعون تذكر الماضي محكوم عليهم بتكراره». كما تسهم دراسة التاريخ في تشكيل الهوية الجماعية، إذ تساعد الأمم على فهم جذورها وتراثها المشترك، بما يحمله من انتصارات وإخفاقات.

ويمتد أثر دراسة التاريخ إلى تنمية مهارات التفكير النقدي، إذ تعلمنا كيفية طرح الأسئلة، وتحليل الأدلة، وتقييم مصداقية المصادر، وبناء الحجج المنطقية. فهي، بهذا المعنى، تمرين ذهني متكامل. كما ينبغي التمييز بين «الماضي» و«التاريخ»؛ فالماضي يشمل كل ما حدث، سواء كان مهمًا أم تافهًا، بينما التاريخ هو الجزء من هذا الماضي الذي اختير للتسجيل والدراسة لأنه مؤثر في الحاضر والمستقبل.

والخلاصة ، إن التاريخ ليس مجرد حقائق جامدة، بل حوار متواصل مع الماضي، تتغير تفسيراته مع ظهور أدلة جديدة واختلاف أسئلة كل جيل. وغالبًا ما يصاحب السرد التاريخي جدل بدرجات متفاوتة، بين التفسير الموضوعي والتفسير التآري، وهو ما يؤكد أن كتابة التاريخ تتأثر بظروف الزمان والمكان! .

ومع ذلك، يبقى التاريخ عِلمًا لا مقال رأي، ويظل على المؤرخ أن يلتزم الحياد، وألا يفرض وجهة نظره، وأن يتجنب الانزلاق إلى التفسيرات التآمرية التي تفسد السرد حين تتسلل إليه المواقف المسبقة والأفكار المؤدلچة !

زر الذهاب إلى الأعلى